نضرة تاريخيةلم يكن التوجيه والإرشاد بمنأى عن الممارسة منذ أقدم العصور فالآباء و المعلمون على سبيل المثال يسـعون إلى مسـاعدة أبنائهم و طلابهم من أجل سلامتهم و نضجهم و دعم إمكانياتهم ، إلا أن هذه المسألة كانت تأخذ شكل التوجيه فقط ، دون الدخول في علاقة تفاعلية بين الموجه و الفرد المحتاج إلى التوجيه ، كما أن التوجيه غير كاف لمساعدة الفرد في تحقيق ذاته مما زاد من إلحاح الحاجة إلى عملية الإرشاد النفسي التي تتضمن العلاقة وجهاً لوجه بين المرشد و المسترشد . و مع بداية القرن العشرين تغير المفهوم فبدأ التوجيه و الإرشاد بمرحلة التوجيه المهني ، ثم التوجيه المدرسي حيث امتدت برامج التوجيه و الإرشاد لتشمل المجالات التربوية ، ثم ظهرت مرحلة علم النفس الإرشـادي و الذي يركز على الصــحة النفسية و النمو النفسي . و في السبعينات الميلادية ( 1970 ) أعتبر التوجيه و الإرشاد النفسي عملية اتخاذ القرار بهدف التقليل من قلق الطلاب ، ثم تطور المفهوم بعد ذلك و أصبحت الاتجاهات نحو برامج التوجيه و الإرشاد النفسي أكثر إيجابية وأخذ مكانته كعلم معترف به .أما في المملكة العربية السعودية فلم تأخذ برامج التوجيه و الإرشاد الطلابي إطارها العلمي إلا في عام 1401 هـ ( 1981 ) بعد إنشاء الإدارة العامة للتوجيه والإرشـاد الطـلابي بوزارة التربية والتعليم ، و الجدير بالذكر أن المسمى الدارج لخدمـات التوجيه و الإرشاد المطبقة في المدارس في المملكة هو التوجيه و الإرشاد الطلابي .
و التوجيه و الإرشـاد الطلابي :عبـارة عن عـلاقـة مهنية تتجـلى في المســاعدة المقدمة من فرد إلى آخر ،فرد يحتاج إلى المساعدة ( المسترشد ) و آخر يملك القدرة على تلك المساعدة ( المرشد ) ، و هذه المسـاعدة تتم وفق عملية تخصصـية تقوم على أسس و تنظيمات و فنيات ، تتيح الفرصة أمام الطالب لفهم نفسه و إدراك قدراته بشكل يمنحـه التوافق و الصحة النفسية ، و يدفعه إلي مزيد من النمو و الإنتـاجية . و تبنى هذه العـلاقة المهنية ( علاقة الوجه للوجـه ) بين المرشد و المسترشد في مكان خاص يضمن سرية أحاديث المسترشد . و الإرشاد عملية وقـائية و نـمائية وعلاجيـة تتطلب تخصصـاً وإعداداً و كفاءة و مهارة و سمات خاصة تعين المسترشد على التعلم و اتخاذ القرارات و الثقة بالنفس و تنمية الدافعية نحو الإنجـاز . و يهدف التوجيه و الإرشاد الطلابي إلى تحقيق النمو الشامل للطالب، و لا يقتصر ذلك على مسـاعدته في ضوء قدراته و ميوله في المحيط المدرسي فحسب بل يتعدى ذلك إلى حل مشـكلاته و توثيق العـلاقة بين البيت و المدرسـة ، وتغيير سـلوك الطالب إلى الأحسن تحت مظلة الإرشـاد النفسي ، و هذا بدوره يقود إلى تحقيق الهدف نحو تحسين العملية التربوية . لقد أصبح إنسان هذا العصر في حاجة ماسة إلى التوجيه و الإرشاد أياً كان موقعه و عمره ، ولن أيكون مبالغاً إذا ما اعتبرت برامج التوجيه و الإرشاد موازية أو قريبة من الحاجات الإنسانية الأساسية ، حيث طرأ كثير من التغيرات الاجتماعية و الاقتصادية و المهنية و التقنية ، جعلت من التوجيه و الإرشاد ضرورة ملحة يفرضها الواقع .
إن مراحل النمو العمرية ، و التغيرات الانتقالية ، و التغيرات الأسـرية ، و تعدد مصـادر المعرفة و التخصصـات العلميـة ، و تطور مفهوم التعليم و مناهجه ، و تزايد أعداد الطلاب ، وكذلك تعليم المرأة و خروجها إلى العمل ، ومشـكلات الزواج ، و التقدم الاقتصادي ، و ما صاحب ذلك من قلق و توتر ، كل ذلك أدى إلى بروز الحاجة إلى التوجيه و الإرشاد كما أن هذا التغير في بعض الأفكار و الاتجاهات أظهر أهمية التوجيه و الإرشاد في المدرسة على وجه الخصوص ، حيث لم يعد المدرس قادراً على مواجهة هذا الكم من الأعباء و التغيرات كما أن تغير الأدوار و المكانات و ما ينتج عن ذلك من صراعات و توتر يؤكد مدى الحاجة إلى برامج التوجيه و الإرشاد .
و يأتي اهتمام التوجيه والإرشاد في مجال التعليم منصباً على حاجات المتعلم بشخصيته في جوانبها النفسية و الاجتماعية و السلوكية إضافة إلى عملية التحصيل الدراسي و رعاية المتأخرين دراسياً و المتفوقين و المبدعين .
و تظهر هنا أهمية دور المرشد الطـلابي بصفته الشخص المتخصص الذي يتولى القيـام بمهام التوجيه و الإرشاد بالمدرســة و يقود الفريق الإرشــادي بها ، لذا وجب أن يكون متخصصاً في التوجيه و الإرشاد و ذا كفاءة و مهـارة في تعامله مع المسترشدين من الطلاب .
و هكذا تبدو مهنة المرشد الطلابي ، مهنة صدق و أمانة ، وصبر و مشقة ، لكنها تصبح مجــــالاً خصــباً للأجر و المثوبة من عند الله سبحانه و تعالى إذا ما أخلصت النية ، و تُوِّجَت بالإخلاص في التنفيذ و الممارسة ، إنها ليست مهنة فضفاضة تتسـع لمن طرق بابها ليخلد للراحـة من عناء إدارة أو وكالة المدرسـة أو التدريس و التحضير و رصد الدرجات و نحو ذلك ، و ليست فراراً من العمل إلى الكسل ، إنها أمانة قبل كل شي ثم مسؤولية كبيرة أمام جميع الفئات داخل المدرسة و خارجها .
إن مهنة الإرشاد اليوم لم تعد تسمح بالتهافت عليها دون روية أو تخصص علمي أو تدريب كافٍ .إن عملية الإرشاد أشبه بغرفة العمليات الجراحية لا تقبل و لا تغفر الأخطاء . وهكذا فإن التوجيه و الإرشاد الطلابي ، علم و مهارة و خبرة و أمانة .